مقالات صحفية
بحار المياه العذبة في الربع الخالي: الحقيقة والخيال-الجزء الأول

- "بحار المياه العذبة في الربع الخالي: الحقيقة والخيال-الجزء الأولجريدة الرياض عدد 12324 (الجمعة 8 محرم 1423هـ، 22 مارس 2002م).

نشرت الرياض في يوم الثلاثاء 22 ذو القعدة 1422هـ (5 فبراير 2002م) خبراً مثيراً حول ما قدمه سعادة الدكتور فاروق الباز في مؤتمر دبي حول المياه، وقد وضع الخبر تحت عنوان بارز هو "صحراء الربع الخالي تتربع على بحر هائل من المياه العذبة". وقد جاء في الخبر الذي بثته وكالة رويترز ما يلي: "قال العالم العربي فاروق الباز أمس أن منطقة الجزيرة العربية وبالتحديد صحراء الربع الخالي تتربع على بحر هائل من الماء العذب إلا أنه لم يحن الوقت بعد لاستخدامه نظراً لارتفاع تكاليف الاستخراج ولوجود بدائل أقل تكلفة." وأضاف قائلاً: "توجد المياه الجوفية بكميات هائلة في الصحراء العربية في شبه الجزيرة وفي الربع الخالي تحت الكثبان الرملية..منطقة الربع الخالي مصيدة المياه الجوفية لكن لا يقطن فيها أحد..وجزء من هذه المياه يقع على أعماق كبيرة تكلفة الوصول إليها واستخراجها ونقلها مرتفعة جداً لكن في المستقبل يمكن أن يحصل ذلك."

والأستاذ الدكتور فاروق الباز هو أحد العلماء البارزين في مجال جيولوجية القمر خاصة ما يتعلق بصور الاستشعار عن بعد ويعمل الآن رئيساً لمركز الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن. ومن خلال دراسته للصور الفضائية عن الصحاري العربية بدأ يطلق بعض التصريحات المثيرة التي يظنها السامع اكتشافاً لشيء جديد بينما هي في الحقيقة معلومات بدهية للدوائر العلمية في المملكة العربية السعودية. وقد يتذكر القراء مناقشتنا معه حول ما ذكره في 5 شوال 1413هـ (27/3/1993م) في جريدة الشرق الأوسط عن اكتشافه نهراً يخترق الجزيرة العربية إلى شرقها وأن السعودية والكويت تسبحان فوق بحيرة مائية جوفية. وأضاف بأنه اكتشف أن وادي الرمة والباطن يمثلان مجرى مائياً واحداً كان يمتد ليصب في شاطئ العرب، وقد ذكرنا له في ذلك الحين (8 شوال 1413هـ –30/3/1993م) في جريدة الشرق الأوسط بأن ما قدمه من وصف للنهر العظيم المكتشف في شرقي شبه الجزيرة العربية ما هو إلا وادي الرمة والباطن الذي كان فعلاً نهراً جارياً خلال العصور المطيرة. كما أوضحنا له بان المعلومات التي قدمت في ذلك الوقت هي جزء من معلومات معروفة ومتداولة في الأوساط العلمية التي يوجد لديها معلومات مفصلة أخرى لمن يريد الاستزادة. وزدنا أن ذكرنا له أن أمر هذا النهر القديم يعرفه حتى العامة في مثل قولهم:

رجليه بالبصرة وصدره بابانات        ومشرع يشرب بحوض المدينة

يريدون: ما شيء رجلاه في البصرة، وصدره في أبانات، ورأسه يشرب من حوض بالمدينة المنورة؟ وأبانات جبال بأعالي القصيم. وهي أحجية أوردها الشيخ محمد العبودي في معجمه عن بلاد القصيم كان الناس يتداولونها، والجواب بالطبع هو وادي الرمة.

وقد حاورته في ذلك الوقت مع مجموعة من الزملاء منهم الأستاذ الدكتور عبدالعزيز الطرباق في مقر السفارة الأمريكية عبر دائرة مغلقة وهو في بوسطن وكان الأستاذ الدكتور فاروق الباز خلالها على جانب كبير من الخلق والأدب وحسن الاستماع والمحاورة البناءة، وأبدى ترحيبه بما سمع وأنه لم يطلع على المصادر المحلية حيث أن جل مصادره من الصور الفضائية. وأذكر أنني سألته عن أعماق المياه التي يتوقعها تحت مجرى وادي الرمة-الباطن فقال بأنه يتوقع وجودها على عمق 100 إلى 150 متراً. وقد تعجَّب الدكتور فاروق الباز عندما ذكرت له بأن الناس قد تجاوزوا أعماق 2000متر في بعض المناطق بحثاً عن المياه.

ومرت الأيام ولم يجد الناس تلك البحيرات التي بشَّر بها، ورغم ذلك فلم يكفّ سعادة الدكتور فاروق الباز عن إطلاق مثل تلك التصريحات غير المبنية على أسس علمية دقيقة. ومن المدهش جرأته في إصدار الأحكام قبل التثبت القاطع منها وهذا يخالف المنهج العلمي الذي يجب على من في مركزه العلمي وخبرته في العلوم أن يتصف به. فالمنهج العلمي السليم يبنى على افتراضات يجهد الباحث نفسه في التحقق من صدقها من خلال الواقع حتى إذا ما ثبت لديه بالدليل القاطع صدقها أعلنها على الناس من خلال بحث متكامل. وما يراه سعادة الدكتور فاروق الباز في صور الاستشعار عن بعد من مجاري أودية جافة وأحواض نهرية قديمة ومنكشفات صخرية يراه كل الناس المتعاملين مع هذه الأمور ولكنهم لا يستعجلون في إصدار الأحكام. ففي مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية مركز ضخم للاستشعار عن بعد يعد من أحدث المراكز في العالم لأنه يستقبل صوره من أقمار عدة ذات مميزات علمية دقيقة، وتتزود الجهات الحكومية في المملكة العربية السعودية بصور غاية في الدقة عن أنحاء المملكة العربية السعودية بما فيها الربع الخالي. ومن المعروف بأن صور الاستشعار عن بعد تزود الباحث بصورة لما فوق السطح وليس لما تحت السطح، ويقوم محلل الصور الخبير بمعاونة من متخصص في المجال المراد معرفة معلومات عنه بدراسة الصورة وكتابة تقرير عنها من خلال محتوياتها لما هو فوق السطح. فمن خلال الارتداد الحراري لبعض المحصولات يقوم المختصون بتحديد جودة المحصول وعلله، كما يتابع العسكريون تحركات الجيوش والمركبات والتغيرات على السطح لمسارح المعارك أو القواعد العسكرية. أما ما تحت السطح من مياه جوفية أو معادن فالباحث والمحلل الخبير يقدمان افتراضات لما قد عساه أن يكون تحت نوع معين من طبقات الصخور من مياه أو معادن إما بالمقارنة مع طبقات سبق اكتشاف شيء تحتها أو بالتوقع من خلال معرفة مكونات صخورها. وبعد وضع الافتراضات يجري التثبت عنها بالحفر الاستكشافي الذي قد يكون مخيباً للآمال أو مبشراً بوجود المياه أو المعادن. والبحث عن البترول يتم بالصورة نفسها إذ تقوم شركة أرامكو بدراسة صور الأقمار الصناعية وتحديد مكان الحفر الاستكشافي ولكنها تزيد على ذلك بإحداث اهتزازات في الموقع ومتابعة مسار الموجات الاهتزازية لعلها تمر من خلال فجوة يفترض أن تكون مصيدة للنفط، ورغم ذلك لا يتيقنون من وجود النفط إلا بعد الحفر الاستكشافي. وفي المملكة جرب القمر الصناعي الذي يرسل إشارات رادارية تخترق سطح الأرض ولم يصل لأكثر من عمق متر ونصف إلى ثلاثة أمتار ومن المعروف بأنه يعطي أفضل نتائجه في التربة الجافة والسماء صافية الأديم كما هو موجود في المملكة العربية السعودية.

والعجيب أن سعادة الدكتور فاروق الباز لا يأبه بالمصادر المحلية للمعلومات عن النقاط التي يود الحديث عنها، وإلا لو فعل ذلك لكفى نفسه عناء القدوم للخليج العربي ليبشر الناس ببحار -وليس ببحيرات- المياه العذبة التي توجد لديهم. فكما سأورد لاحقاً لا يجهل غالبية الناس ولا الدوائر العلمية حقيقة الربع الخالي وما فيه من آثار ومياه وحياة فطرية من نبات وحيوان. فقد استغلت شركات النفط مياه الربع الخالي لأزمان كما رسمت وزارة الزراعة والمياه خرائط للتكوينات وامتداداتها تحت سطح الربع الخالي.

وفي الحقيقة لم أكن أريد التعقيب على هذا التصريح الأخير لئلا يظن بأننا نترصد كل ما يدلي به سعادة الدكتور فاروق الباز والتعقيب عليه لولا أنه كانت هناك محاضرة قيمة للأستاذ الدكتور محمد بن حمد القنيبط في يوم الثلاثاء 15 ذو القعدة 1422هـ (29/1/2002م) ضمن مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة السابع عشر تشرفت بإدارتها وإضافة إلى الحضور القليل للمحاضرة لم تبرز الصحف توصياتها ونتائجها كما ينبغي مما يؤكد أن زامر الحي لا يطرب مهما كان مجيداً. إضافة إلى أن تصريحات سعادة الدكتور فاروق الباز التي تنشر وتبرزها الصحف قد يكون لها ضرر غير مباشر مثل اعتقاد العامة من الناس بأننا فعلاً نتربع على بحار –وليس بحيرات- من الماء العذب. وهذا سيجعلهم يسرفون في استخدام الماء غير آبهين بحملات التوعية التي تقوم بها أجهزة الدولة العارفة بحقيقة الأمور. وقد تترددت في بيان حقيقة المياه في الربع الخالي حتى ذكر لي أحد طلابي في الفصل بأن أحد العلماء قد اكتشف (هكذا) بحاراً مائية عذبة تحت رمال الربع الخالي، وكنت في حفلة زواج فكان حديث الناس عن هذه البحار المكتشفة من المياه العذبة ومتى وكيف سيستفاد منها. بل إن أحد الحاضرين سفَّه علماء الجيولوجيا الذين يزعمون بأن المياه الجوفية العميقة ستنتهي مفيداً بأن هناك أنهاراً جوفية تجري لا يدري أحد من أين تستقي مياهها حتى الآن. ولهذا السبب وبيان الحقيقة من الخيال واجترار الأمنيات وأن ما ذكره سعادة الدكتور فاروق الباز ليس على إطلاقه عقدت العزم على توضيح ذلك بادئاً ببيان جغرافية المكان ثم بيئته وجهود وزارة الزراعة والمياه في رصد التكوينات المائية الجوفية ثم أعرض لبعض النقاط المهمة التي أشار إليها الأستاذ الدكتور محمد القنيبط في محاضرته.

بيئة الرُّبْع الخَالِي:

قدَّم فلبي في سنة 1933م وثسيجر في عامي 1948م و 1959م أول وصف تفصيلي للرُّبْع الخَالِي. ومع ذلك فقد أضاف استكشاف البترول وموارد المياه الجوفية بعض المعلومات عن جغرافية الربع الخالي. وأدى اكتشاف البترول إلى مجيء الشركات الأجنبية إلى المملكة العربية السعودية حيث واجهت هذه الشركات ضرورة إجراء دراسات علمية بالمملكة للحصول على المعلومات الجيولوجية اللازمة لاستغلال الموارد البترولية وغيرها من المعادن. واستقطب كثير من العلماء والمهندسين للقيام بتلك المهمة وتمخض عن ذلك مجموعة هائلة من الدراسات والخرائط الجيولوجية.

واسم الرُّبْع الخَالِي اسمٌ قديمٌ، وليس اسماً مستحدثاً من قبل الغربيين . يقول الأستاذ الدكتور عبدالله بن يوسف الغنيم عن ذلك: "يعتقد عدد من الباحثين أن اسم "الرُّبْع الخَالِي" الذي يطلقه الجغرافيون اليوم على ذلك الحوض الرملي العظيم الواقع في جنوب شبه الجزيرة العربية هو مصطلح حديث لم يكن معروفاً عند القدماء، وأنه ترجمة لكتابات الأوروبيين الذين سموه (The Empty Quarter)لأنه يشغل ربع مساحة شبه الجزيرة العربية تقريباً. وربما يزداد شك الباحث في هذا الأمر حينما يرجع إلى كتابات الجغرافيين الأقدمين كالاصطخرى وابن حوقل والمقدسي والإدريسي فلا يجد هذا الاسم في نصوص كتبهم ولا في خرائطهم. غير أن هذه التسمية وإن لم تكن موجودة في تلك المصادر القديمة فإنها تسمية عربية وردت في مصدر أحدث منها نسبياً وهو كتاب "الفوائد في أصول علم البحر والقواعد" الذي وضعه شهاب الدين أحمد بن ماجد في عام خمس وتسعين وثمانمائة من الهجرة النبوية وحدد ابن ماجد الرُّبْع الخَالِي بأنه على مشارق مَأرِب والجَوْف في صفحة 380، وإن كانت المصادر العربية القديمة قد أغفلت التسمية التي أوردها ابن ماجد والتي شاعت في كتابات المحدثين، فإن المصادر القديمة قد أطلقت على أجزائه المختلفة عدداً من الأسماء."

ويشتمل الرُّبْع الخَالِي على أكبر صحراء رملية متصلة في العالم أجمع، تمتد على مساحة تزيد على 600.000 كم2 ، وطول يقارب 1200 كم من خط طول 30َ44oإلى 00َ 47oشرقاً، وعرض يقارب 640 كم بين خطى عرض 00َ 15oو 00َ23oشمالاً. وهو يغطي المساحة بين الإمارات العربية المتحدة وسفوح جبال اليَمَن، ومن هضبة حَضْرَمَوت جنوباً حتى رمال الجَافُورَة ورمال الدَّهْنَاء شمالاً. وكان يطلق على الجزء الشمالي الشرقي من الرُّبْع الخَالِي رمل يَبْرِين نسبة لواحة يَبْرِين (أو جَبْرِين) التي تقع جنوب حَرَض بنحو 90 كم، والأحْقَاف على الجزء الواقع شمال هضبة حَضْرَمَوت، والجَزْء يطلق على القسم الشمالي الغربي جنوب وادي الدَّوَاسِر عندما تنقطع جبال طُوَيْق (العارض) ، أما وَبَار فيطلق على القسم الغربي من الرُّبْع الخَالِي المتاخم لبلاد اليَمَن.

أما الأقسام الحالية المتداولة للرُّبْع الخَالِي فهي العُرُوق المُعْتَرِضَة في شرقي الرُّبْع الخَالِي، والدِّكَاكَة وعروق المَوَارِد والقَعَامِيَّات في جنوب الرُّبْع الخَالِي، وشُّقَّة الخَرِيْطَة ورَمْلَة يَاْم ورَمْلَة دَهْم في الجزء الجنوبي الغربي منه، وعُرُوْق بَنِي مُعَارِض وبني حُمْرَان وعروق الرُّمَيْلَة في غربي الرُّبْع الخَالِي، والطُّرَاعِيْز والحِبَاكَة والكُرْسُوع والَّسنَام في الوسط والشمال.

المناخ القديم في الرُّبْع الخَالِي:

كان فترة عصر البلايستوسين الأعلى مطيرة في شبه الجزيرة العربية والمناطق المدارية على العموم، وقد تركت هذه الفترة آثاراً ايجابية كثيرة في عدة ظاهرات، ولقد استدل علماء المناخ القديم على هذه الفترة عن طريق دراسة المصاطب القديمة والمناطق الرملية في المملكة العربية السعودية. وفي هذه الفترة المطيرة تكونت أيضاً البحيرات وقد دلت التواريخ الكربونية على أن هذه البحيرات قد شهدت أعلى منسوب من المياه في هذه الفترة. وقد درس مكلور البحيرات في صحراء الرُّبْع الخَالِي ووجد أن البحيرات هناك قد ارتفع فيها منسوب المياه مرتين. مرة ترجع لهذه الفترة المطيرة، والأخرى ترجع لفترة الهولوسين المطيرة. وعند قيامه بتأريخ آثار هذه الفترة المطيرة في البحيرات وجد أن ارتفاع مستوى المياه في البحيرات للمرة الأولى والذي يرجع لهذه الفترة كان فيما بين 36000 و 17000 سنة قبل الحاضر (ق.ح.) مع تركز في تواريخه التي حصل عليها من مواقع مختلفة فيما بين 30000 و 21000 سنة ق.ح. وهذه البحيرات أكثر أهمية من البحيرات التابعة للهولوسين.

وخلال هذا الوقت كان الرُّبْع الخَالِي غنياً بالنباتات والأعشاب والحشائش الطويلة، ربما من نفس أنواع الأعشاب الصحراوية الموجودة الآن مع تنوع أكثر، كما كان يوجد بعض الأحراش والغابات القزمية. وفي هذه البيئة الغنية بالحشائش كان يعيش جيش من الحيوانات المختلفة التي ساعدها وجود الماء الدائم والحشائش المتوفرة على العيش والتكاثر. ولقد وجدت آثار لجاموس، وفرس نهر، وبقر وحشي، ووضيحي، وغزلان، وتبدو حافات البحيرات وقد كستها أنواع من النباتات المائية مثل البوص والبردي والأثل وربما بعض الأجمات من أنواع أخرى.

كما شهد آخــر الهولوسين الأدنى فترة مـطيرة ارتفع فيـها منسوب البحيرات مرة أخرى. ففي الرُّبْع الخَالِي ظهر أن هذه البحيرات كانت من نوع البلايا وأن مدة بقاء الماء فيها كان أطول من المعتاد. ومن آثار البحيرات وجد أن التأريخ الكربوني لهذه الفترة ينحصر فيما بين 8500 و 5200 سنة ق.ح. وقد بدأت الفترة الجافة الحالية في صحراء الرُّبْع الخَالِي قبل 6000 سنة. وخلال هذه الفترة تراجعت الرياح الموسمية مرة أخرى إلى مواقعها الموجودة فيها خلال أيامنا هذه، وجفَّت البحيرات وهلكت معظم الأشجار والحشائش مخلفة وراءها غطاء نباتياً فقيراً فقط، وهلكت معظم الحيوانات الكبيرة التي لم تستطع التكيف مع هذه الظروف المناخية الجديدة وتحتاج إلى كميات كبيرة من الحشائش والمياه ولم يبق منها سوى الوضيحي والغزلان والإبل الوحشية التي نجحت في التكيف مع العيش بدون ماء لفترة طويلة أو بدونه تماماً وعلى التغذي بالقليل من الحشائش.

وقد تكونت البحيرات في الرُّبْع الخَالِي بسبب الأمطار الغزيرة التي كانت تسببها الرياح الموسمية، ويعتقد بأن الرياح الموسمية قد تحركت نحو الشمال مرتين على الأقل خلال البلايستوسين. ولم تكن بحيرات الرُّبْع الخَالِي بعمق بحيرات شرقي أفريقيا فقد كان يتراوح عمقها بين مترين إلى عشرة أمتار، ويؤكد العالم الجيولوجي مكلور بأنه كان هناك أكثر من ألف بحيرة. وقد كان فيلبي Philbyفي كتابه "الرُّبْع الخَالِي Empty Quarter" أول من صرح بوجود بقايا لضفاف بحيرات مع بعض أدوات العصر الحجري في أماكن متفرقة ومنعزلة من الصحراء فهو يقول: "استطيع تصور الرجل البدائي على ضفاف نهر قديم أو بحيرة يمارس مهنة الصيد مستخدماً رماحه وأقواسه ليصطاد الحيوانات التي قدمت لتشرب من المياه المتوفرة. لقد تزامن بناء الحضارة في صحراء الرُّبْع الخَالِي مع حضارات عظيمة أخرى كالتي بنيت في مصر وبلاد الرافدين، ولكنها ما لبثت أن أصابتها كوارث الجفاف فقضت عليها."

وقد دلت الحفريات على تأكيد وجود حياة حيوانية حول ضفاف البحيرات في الرُّبْع الخَالِي. فمن الحفريات التي وجدت في بطون البحيرات أسنان فرس النهر وكأنها قد فقدت بالأمس، والثور طويل القرن، والماعز والأغنام البرية، والحمير الوحشية، والجمال، والمها، والغزلان. ولا بد أن هذه الحيوانات كانت في حاجة إلى الماء لكي تعيش في منطقة كالرُّبْع الخَالِي. كما وجدت الأصداف المحارية على بعد مئات الكيلومترات من أقرب بحر للربع الخالي، إضافة إلى أدوات حجرية منحوتة منتشرة في المناطق المجاورة للبحيرات.

وبناء على وجود الكثير من الأدوات الحجرية وإلى وجود طبقة رقيقة من الرماد في إحدى أهم البحيرات في منطقة المُنْدَفِن، تلك المنطقة التي يشيع فيها وجود البحيرات، فيعتقد بأن إنسان ما قبل التاريخ قام بحرق أغصان القصب حول البحيرات من أجل إبعاد الحيوانات والطيور كي يصطادها. ولم يعثر على بقايا الإنسان بالقرب من البحيرات، ولكن قد عثر على بعض الأدوات التي يستخدمها بشكل يومي كالسكاكين وأدوات التنقيب، ورؤوس السهام، والكاشطات التي يعود تأريخها إلى فترة بين 10.000 و 5000 سنة ق.ح. وهي الفترة التي يعتقد بأن الإنسان وجد فيها حول البحيرات في الرُّبْع الخَالِي.