مقالات صحفية
إعذاب مياه البحر بالطاقة الشمسية: الخيار الأمثل

 

- "إعذاب مياه البحر بالطاقة الشمسية: الخيار الأمثلمجلة اليمامة، عدد 2003، السبت 13 ربيع الآخر 1429هـ (19 أبريل 2008م).

 

أ.د. عبدالله بن ناصر الوليعي

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بجامعة

الإمام محمد بن سعود الإسلامية

 

 توفر مياه البحر المالحة مصدراً لا ينضب من المياه، ولكنها لا تصلح للشرب أو الزراعة بحالتها المالحة ولذا ينبغي إعذابها قبل استخدامها. وقد قامت المملكة العربية السعودية بإقامة محطات إعذاب لمجابهة الطلب المتزايد على مياه الشرب والاستخدامات المنزلية الأخرى في المدن الكبيرة والصغيرة نظراً للنقص الحاصل في المياه الجوفية حتى أصبحت المملكة أول دولة في العالم في إنتاج المياه المحلاة. وتخلط المياه المحلاة من البحر بمياه جوفية قريبة من مواقع الاستهلاك للشرب والاستخدامات المنزلية الأخرى. وتعد عملية إعذاب مياه البحر وإقامة محطات لهذا الغرض عملية مكلفة جداً، وتحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة لإنشائها وصيانتها دورياً، وإقامة شبكات أنابيب طويلة لنقلها إلى مستهلكيها.

وقد ظهرت تباشير كثيرة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز جعلت البحث العلمي هدفاً استراتيجياً للتنمية المستدامة إذ توفرت الأموال لدى الجامعات السعودية ومراكز البحوث كمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية لإجراء البحوث ودعم القائمين عليها وبها. والمطلوب في الوقت الراهن هو توجيه بوصلة البحوث والتركيز على الأمور الملحة التي تحتاجها البلاد وهي توفير المياه للشرب والزراعة. فطالما أن الدولة تجني أرباحاً طيبة من بيع مصدر ناضب وهو النفط فإن إنشاء محطات لإعذاب المياه وصيانتها أمر ممكن ولكن الدنيا لا تدوم على حال فدوام الحال من المحال. وقد شاهدنا شيئاً من ذلك في بعض الأزمات التي مررنا بها كنقص الشعير والدقيق، والأزمات الطاحنة عندما ينكسر أنبوب لنقل المياه. وقد تزامن نقص كميات المياه المتاحة في المملكة العربية السعودية مع الثورة الخضراء التي بشرتنا بتحويل الصحاري الجرداء إلى جنات خضراء فإذا بالناس يفاجأون، ولم نفاجأ كباحثين، بنضوب المياه من كثير من الآبار وجفاف العيون وغور المياه إلى أعماق سحيقة مكلفة في السحب والصيانة مع زيادة في الأملاح وسوء في الطعم. وقد كان هذا متوقعاً لمخالفته للسنن الكونية التي قدرها الله لهذه البلاد من وجود مناخ صحراوي قاس في جفافه وحرارته فما سحب من مياه لأغراض الزراعة والشرب من المياه الجوفية العميقة لم يعوض من الأمطار التي كانت شحيحة وأقل مما يستهلك بمراحل. فاستبدل شعار "الأمن الغذائي" بشعار "الأمن المائي" وهو تحول موفق إذ إن الأمن المائي يعني حتماً أمناً غذائياً كذلك، ولكن مع الحرص الشديد في ترشيد الاستهلاك.

وقد صاحب هذه السنين زيادة في عدد سكان المملكة العربية السعودية والوافدين إليها مع نهضة صناعية ضخمة ونشوء مدن كبيرة تحتاج إلى كميات ضخمة من المياه..فماذا نحن فاعلون لمجابهة هذا الطلب المتزايد من المياه الصالحة للري والزراعة؟

لا نشك ولو للحظة في جدية المؤسسات الحكومية المعنية بالاهتمام بهذا الأمر كوزارة المياه والكهرباء التي أنشأت محطات للإعذاب تنتج من المياه كميات جعلها تتبوأ المركز الأول في العالم ولكنها محطات مكلفة وصيانتها دورية وعالية وبتقنيات خارجية. وفي هذه المقالة أريد أن أذكر بأمر ليس جديداً على دوائر العلم ولا على المؤسسات الحكومية وهو ضرورة توجيه البحوث العلمية نحو استخدام الطاقة الشمسية في إعذاب المياه المالحة.

لقد كانت هناك محاولات جادة لاستخدام الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء صرف عليها مبالغ هائلة، وليته كان لإعذاب المياه باستخدام هذه الطاقة المتجددة، التي لا أظن أحداً لديه منها ما يوازي ما تمتلكه المملكة العربية السعودية، ولكنه كان لتوليد الكهرباء. ففي عام 1400هـ (1980م) بدء في مشروع القرية الشمسية لتوفير الكهرباء بقدرة 350 كيلووات لبعض القرى حول مدينة الرياض وهي العيينة والجبيلة والهجرة، وهذه القرية الشمسية كانت من ثمار التعاون الفني السعودي الأمريكي في مجال استغلال الطاقة الشمسية. وقد كنت أتمنى أن يستغل هذا التعاون العلمي بين المملكة العربية السعودية ممثلاً بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية والولايات المتحدة في إجراء البحوث المعمقة لإعذاب المياه باستخدام الطاقة الشمسية. فالحاجة الملحة هي لتوفير المياه بتكلفة رخيصة نملك منها ما لا يملكه العالم المتقدم. فالإنسان قد عاش آلاف السنين في هذه البلاد بدون كهرباء ولكنه لن يستطيع العيش بدون ماء ولو لأيام. وقد ظهرت بوادر الاهتمام في مجال استخدام الطاقة الشمسية في إعذاب المياه المالحة في مشروع تجريبي في ينبع على ساحل البحر الأحمر. واختير الموقع نظراً إلى قربه من محطة إعذاب المياهالتي تغذي المدينة المنورة وينبع بالمياه العذبة. ويعطي المشروع 200 متر مكعب منالماء العذب في اليوم. ويتكون نظام تجميع الطاقة الشمسية من 18 مجمعاً شمسياً مساحة كل منها 80 متراً مربعاً. ويتألف كل مجمع من أربعة أعمدة يحتوي كل منها على 27  مرآة تعكس أشعة الشمس مضاعفة 500 مرة. وتتحرك المجمعات الشمسية على محاور من أجل تعقب الشمس. والهدف هو جعل الأشعة دائماً عمودية على سطح المجمع. ويتحكمالحاسوب بضبط عملية التعقب على مدار العام.  ويستخدم في المشروع نظام فريد فيالإعذاب وهو التبريد غير المباشر الذي طور خلال سنوات عدة من البحث.ومن المعلوم بأن من محاور التقنيات الإستراتيجية الأحد عشر التي تمثل خطة السياسة الوطنية الجديدة للعلوم والتقنية هو محور الإستراتيجية الخاصة بتقنيات المياه. وقد ذكر معالي رئيس مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية أنه قد اشترك في رسم خارطة طريق تقنية المياه عدد من الجهات ذات العلاقة؛ مثل المؤسسة العامة لإعذاب المياه، ووزارة المياه والكهرباء، وشركتي سابك وأرامكو بالإضافة إلى أكثر من 30 جهة حكومية من ضمنها الجامعات، وانتهت إلى تحديد الأولويات البحثية، وأحد هذه الأولويات هي الإعذاب باستخدام الطاقة الشمسية.

وتواجه الدول النامية مشكلة عويصة وهي أن الدول التي تملك التقنية لا تعاني من شح الموارد المائية بل من وفرتها، ولذلك فلا بد من دفع تكلفة إجراء البحوث وإنشاء المحطات وإلا فلن يلتفت إليها أحد. والمملكة العربية السعودية هي إحدى الدول النامية وبحاجة ماسة لهذه التقنيات وقد شاركت في المؤتمرات العلمية والجهود الإقليمية الخاصة بالمياه من أجل دفع عجلة التعاون الدولي في هذا المضمار. وقد عقد المؤتمر الإقليمي الأول للطاقة المتجددة لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باليمن في عام 2004م ونوقشت الإمكانات المتوفرة في مجال الطاقة المتجددة في هذه الدول, وأهميتها في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحفيز التعاون الأوروبي المتوسطي في هذا المجال، وبخاصة أن هذه الدول تقع ضمن الحزام الشمسي ويمكن أن تستفيد من التكنولوجيات المتوفرة لتوليد الطاقة الكهربائية وإعذاب المياه باستخدام الطاقة الشمسية. حيث الفرصة متاحة لهذه الدول لتوحيد جهودها في مجال البحث العلمي والتطوير لتوظيف الطاقة الشمسية لإنتاج الطاقة, وإعذاب المياه, وإيجاد مصدر آمن ومستمر للطاقة والمياه.

إن أزمة المياه تدفعنا للبحث عن طرق جديدة للحصول على مياه تتلاءم مع متطلبات الحياة وازدياد السكان وارتفاع مستوى المعيشة ونمو التطور الصناعي والزراعي.فالتطور الحضاري قد زاد من قيمة الطلب على الطاقة بشكل كبير وتثبتالدراسات الحديثة أن كمية المخزون من مصادرها مثل النفط والغاز لا يكفي سوى لعقود قليلة ما يحتم ويدعو إلى اتخاذ خطوات شجاعة باتجاه استغلال هذا النوع منالطاقة.ومن هنا فإن الاستثمار في مجال الطاقة الشمسية يجب أن يبدأ الآن وبخطوات ضخمة وهائلة حتى نكون مستعدين عندما نحتاج ذلك.وقد ذكر أن مجموعة من العلماء الألمان قد نجحت في تطوير نظام يستخدم أشعة الشمس لتشغيل محطات صغيرة لتحويل مياه البحر المالحة في الدول النامية في قارتي آسيا وأفريقيا إلى مياه صالحة للشرب بكلفة قليلة.

ونحن في المملكة العربية السعودية نحتاج إلى توحيد جهود المؤسسات الحكومية في مركز واحد ينشأ ويجعل له هدف واحد فقط هو إعذاب المياه باستخدام الطاقة الشمسية وإجراء البحوث من أجل ذلك، ويبدأ جهوده في إنشاء محطات صغيرة تنتشر في طول البلاد وعرضها. وأقترح أن يسمى ذلك "مركز الملك عبدالله للإعذاب باستخدام الطاقة الشمسية"، وأن يكون مقره في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية. على أن يؤسس لجائزة عالمية وأخرى محلية لمن يتقدم بتقنية قابلة للتطبيق لإعذاب المياه باستخدام الطاقة الشمسية. هذا والله الموفق وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.