المؤلفـــات
الإنسان في الأرض : فلسفة التربية البيئية ومضمونها

الإنسان في الأرض: فلسفة التربية البيئية ومضمونها، 1431هـ (2010م

 مقدمة
 الحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأصلي وأسلم على الهادي البشير وآله وصحبه أجمعين. أما بعد فقد مر هذا الكتاب بمراحل من التأليف؛ إذ كان في الأصل مواد مستقاة مما ورد في رسالتي للدكتوراه التي حصلت عليها من جامعة كاليفورنيا فرع ريفرسايد عام 1985م بعنوان "أثر العوامل الطبيعية والبشرية في تدهور البيئة في وسط وشرق وشمالي المملكة العربية السعودية"([1])، وكان كثير من الزملاء يحثني على نقلها للعربية، ولكنني عندما بدأت العمل بذلك منذ نحو ربع قرن، وأوشكت أن أنتهي منها، أدركت أن معظم ما تحدثت عنه أصبح قديماً رغم الأهمية التاريخية له. فشرعت منذ ذلك الوقت في إدخال بعض الموضوعات البيئية التي تشغل العالم، ورجعت لبعض الكتب الرائدة في هذه الموضوعات لفائدة القراء وطلاب الدراسات العليا والمهتمين. وقد انشغلت ببحوث الترقية لدرجة أستاذ مشارك ثم أستاذ، ثم ارتبطت ببحوث مع جهات حكومية فتأجل هذا الكتاب سنوات طويلة. وفي عام 1425هـ عاودت العمل بالكتاب وكدت أن أنتهي منه لولا أنني ارتبطت مع دارة الملك عبدالعزيز بتعريب "معجم البلدان والقبائل في شبه الجزيرة العربية" والتعليق عليه، وقد أخذ مني هذا العمل نحو سبع سنين كاملة لم أعمل بغيره، وسيصدر في نحو 16 مجلداً أو أكثر. وخلال هذا العام (2010م) حانت لي فرصة بعد الانتهاء من المعجم فعاودت العمل بالكتاب، ووجدت أنني لن أرضى عن الكتاب مهما عملت به فالأحداث تتسارع والموضوعات البيئية والنظرة إليها تتغير وتتبدل، فقررت أن أخرجه للقراء فالكمال لله سبحانه وتعالى استجابة لإلحاح الزملاء الذين يعرفون عن هذا الكتاب منذ بداية عملي به.
وقد أسميته "الإنسان في الأرض" وليس "الإنسان والبيئة" لتأكيد أن الإنسان عامل مؤثر وخطير في البيئة يتوقف عليه صلاحها أو فسادها، وذلك متابعة لكارل ساور([2])Carl Sauerالذي ألف كتاباً في الموضوع أسماه "Man In Nature"، وقسمته إلى فصول وموضوعات تعالج أبرز شؤون البيئة المحلية والعالمية، وحاولت أن أجعل لغته ميسرة وسهلة الانقياد، ولم أكثر من ذكر الإحصاءات ذات الطبيعة المتغيرة؛ إذ إنها قد أصبحت ميسورة في عصر الشبكة العنكبوتية، وسيكون تمريناً مفيداً للطلاب والطالبات متى ما طلب منهم جلبها من ذلك المكان ورسم أشكال لها.
وفي بداية الكتاب قصدت التركيز على التربية البيئية وأسلوبها وتجارب العالم في ذلك، وأنها ينبغي أن تبنى على أساس ديني فذلك أدعى للقبول والالتزام. فبدون تربية بيئية صحيحة وصحية لن نستطيع جعل المواطن صالحاً بيئياً يراقب الله سبحانه وتعالى في تنفيذ تعليماته بحفظ البيئة والابتعاد عن الإسراف في استغلال الموارد والإفساد بالأرض.
 فالمواطن العادي ينبغي عليه الحرص على عدم تلويث الصحراء (بقايا أكياس الشعير، بقايا الرحلات القصيرة)، وعدم تلويث الشواطئ، وعدم تلويث الحدائق والمتنـزهات العامة، كما ينبغي عليه الحرص على النسبة المحددة من عادم السيارة للحرص على صحته أولاً وصحة أبنائه وصحة غيره من المواطنين من تركيز الرصاص المهلك الذي أثبتت بعض الدراسات ارتفاع نسبة تركيزه في دماء أطفالنا بالمدارس.
 وينبغي على المواطن صاحب المصنع أن يحرص على عدم تلويث الهواء بأي أدخنة ضارة قد تكون لها تأثيرات سلبية على المجتمع، وأن يتخذ الإجراءات المناسبة لنقل المواد وتخزينها للحد من تأثيراتها السلبية على البيئة.
كما ينبغي على المواطن المزارع أن يهتم بالمستهلك فلا يستخدم من المبيدات إلا المسموح بها وبالنسب الضرورية فقط، كما يجب عليه عدم تلويث التربة والماء بمخلفات المبيدات والمواد السامة، وألا يسوق منتجاته بعد رشها بالمبيدات إلا بعد فترة طويلة تسمح لها بالتخلص من بقايا السموم التي تضر بصحة المواطن.
 وينبغي على المواطن المستورد كذلك أن يتقي الله فيما يستورد فلا يجلب حيوانات مريضة ولا نباتات ذات آفات قد يحلو لها الجو فتهلك الحرث والنسل لأن حيوانات ونباتات المملكة قد لا تكون لديها مناعة من هذا المرض والآفة التي جلبت.
 وينبغي على المواطن المستثمر أن يبتعد عن تدمير الأراضي الزراعية، وأن يحافظ على جميع المناطق الأحيائية (البيولوجية) المهمة مثل مناطق المياه العذبة والأراضي الرطبة وغابات العرعر، والمرتفعات الرئيسة، ومهاد الأعشاب البحرية، ومناطق الشعاب المرجانية التي تتعدى أهميتها الأحيائية حدود هذه المناطق، وأن يكف عن تجريفها وتدميرها. وقد لا نتوقع استجابة فورية من المواطن مع هذه الرغبات بدون تنفيذ الآتي:
- الاهتمام بالنشء عن طريق تضمين مناهج التعليم العام والجامعي المفاهيم البيئية، وشرح ذلك بأسلوب جذاب وعاطفي يضمن تفاعلهم معها وإدراكهم لأهمية المحافظة عليها.
- تطوير أساليب التوعية البيئية وتكثيفها عن طريق جميع وسائل الإعلام بأسلوب راق مؤثر يجمع بين الصورة الجذابة والشرح الجميل والمقارنات المعبرة بين حال البيئة في الماضي وحالها الآن وبين حالها لدينا وحالها لدى الدول المتحضرة الأخرى.
- تقديم دورات في العلوم البيئية لكافة الطلبة في الكليات، وكذا الطلبة في السنوات النهائية في علوم البيئة، وتوجيه برنامج مبسط يخصص للكبار إلى الفلاحين والبدو، كما ينبغي أن يتضمن زيارات شخصية ليعلم العامة بحقائق الموارد الطبيعية التي يستغلونها فلا غَنَاء عن إدراك أهمية معرفة وظائف النظام البيئي للأراضي الجافة، ونقاط ضعف الأراضي الجافة، وأهمية صحة البيئة بشكل عام.
- على الأجهزة الحكومية المعنية متابعة تنفيذ وتطبيق النظم الصادرة لحماية البيئة وألا تكون هناك فجوة بين سن القوانين والنظم وتنفيذها.
وفي الختام لا يفوتني أن أشكر زملائي في قسم الجغرافيا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الذين كنت أناقش معهم بعض قضايا الكتاب، وبخاصة أ.د. إبراهيم بن سليمان الأحيدب، وأ.د. عبداللطيف بن حمود النافع، والدكتور محمد بن صالح الربدي، والدكتور عبدالله بن عبدالعزيز الحقباني، كما أشكر الدكتور محمد بن عبدالرحمن الفارس الذي قرأ مسودة الكتاب كاملة وأبدى عليها بعض الملحوظات.
 والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.
 
أ.د. عبدالله بن ناصر الوليعي
alwelaie@hotmail.com
 الرياض، 1 جمادى الأولى 1431هـ (15 أبريل 2010م)