مذكراتي الشخصية
ومرت السنون حلوها ومرها_الجزء الأول

ومرت السنون .. حلوها ومرها (الجزء الأول)

أ.د. عبدالله بن ناصر الوليعي

 

لقد وجدت نفسي متأملاً شارد الذهن عندما طُلِب من أربعة من زملائي تقديم أوراقهم للتقاعد لبلوغهم السن النظامية..الله أكبر..ما أسرع الدنيا..فحسبت ما بقي لي فإذاهما سنتان فقط فأطرقت هنيهة، ومرت بي ذكريات مشوار الحياة حلوها ومرها..رأيتني أدلف إلى قسم الجغرافيا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وأمضي فيه أربع سنوات كاملة درست فيها على جهابذة علم الجغرافيا في العالم العربي مثل أ.د. محمد السيد غلاب وأ.د. محمود عصفور وأ.د. السعيد البدوي وأ.د. أحمد السيد مصطفى وأ.د. يوسف أبو الحجاج وأ.د. نصر السيد نصر وأ.د. عبدالرحمن حميدة وأ.د. حسن عبدالقادر صالح وأ.د. عبدالعزيز طريح شرف وأ.د. عبدالفتاح وهيبة وغيرهم الكثير رحم الله من مات منهم وحفظ من بقي منهم لعلم نافع وعمل صالح. وبعد التخرج عينت معيداً، ثم ابتعثت للدراسة في الخارج حيث درست اللغة الإنجليزية في بريطانيا ثم حولت إلى أمريكا بتأثير مباشر من زميلي الدكتور إبراهيم الدوسري عندما شكوت له "ضيقة الصدر في بريطانيا" عندما تغلق المحلات الساعة السادسة مساء إذ كنت عازباً حينئذ، فذكر لي بأن المحلات هناك تفتح 24 ساعة، إضافة إلى قيادة الناس السيارات في يمين الطريق بدلاً من يساره..ومرت الأيام..وفي جامعة أوهايو في مقرر "الجغرافيا الطبيعية المتقدمة" كان معي في الفصل نفسه زميلي المعيد إبراهيم الأحيدب. وللتطبيق على مجاري الأنهار طلب الأستاذ من المجموعة أن تسجل في الرحلة الحقلية لقطع خمسة عشر كيلاً تجديفاً. وفي اليوم المحدد انتقلت المجموعة وهم أحد عشر طالباً أمريكياً والأستاذ وأنا وأ.د.إبراهيم الأحيدب إلى أحد روافد نهر أوهايو الذي يرفد نهر المسيسيبي العظيم. وهناك وضعونا في أعلى النهر بحيث إنه ما من وسيلة للعودة سوى مع النهر وبالتجديف. وقد كنت أتوقع أن تقسم المجموعات (طالبان لكل قارب) بحيث نشارك بعض من لديهم الدراية بهذا الأمر. ولكن هذا لم يحصل فقد انقسموا إلى ست مجموعات وركبوا بسرعة وبقيت أنا وأ.د. إبراهيم الأحيدب فاضطررنا لركوب القارب المتبقي ومحاولة التجديف وذلك لأول مرة في حياتنا. وكان الدكتور إبراهيم الأحيدب قد أحضر غداء شهياً لنا من زوجته أم زياد كما أحضر كاميرا للتصوير. وابتدأت الرحلة سلسة في البداية وكنت في مقدمة القارب للتوجيه والدكتور إبراهيم الأحيدب في مؤخرة القارب للدفع، وقد استمتعنا بالرحلة لفترة وجيزة حتى إنه خيل إلينا أن الأمر سهل ولم يكن بالصورة المزعجة التي تخيلناها غير أن الأمور قد بدأت تسوء إذ بدأ الانحدار يزداد ومعه سرعة الماء فأخذ القارب في السرعة ووجدت صعوبة كبيرة في توجيهه. واستمر الانحدار في الزيادة ومعه سرعة الماء بحيث إن القارب اندفع اندفاعاً كبيراً وأنا أحاول ضبطه ولم أستطع فأصبح القارب توجهه المياه الهادرة وفجأة وجدنا أمامنا جذع شجرة عملاقة قد سقط في النهر وسد جزءاً كبيراً منه ولا يمكن أن يمر من تحتها سوى القارب وبصعوبة أما من فيه فسيصطدم به وستكون مصيبة. فأما زملاؤنا الأمريكيون فقد داروا حوله بمهارة فائقة، وأما نحن فاتجهنا نحو الجذع بسرعة هائلة وقبل الاصطدام بثانية أمَلْت نفسي فسقطت في النهر وقفز الدكتور إبراهيم الأحيدب وتعلق بالجذع فانقلب قاربنا وغرق غداؤنا وكاميرتنا ولولا عناية الله ثم إسراع زملائنا لنجدتنا لحدث ما لا يحمد عقباه. وكان الجو بارداً جداً فعانينا الأمرين من البرد والبلل. ولم تكن تلك النهاية فقد عدنا مرة أخرى إلى القارب بعد تعديله وغرف ما به من ماء وواصلنا بقية الرحلة مع شدة جوع وبرد وإرهاق لست ساعات كاملة. ألم أقل بأنها كانت الوسيلة الوحيدة للعودة إلى أقرب طريق؟ ولكن يزول التعب وتبقى الذكريات.

 وأثناء دراستي في الولايات المتحدة كنت ألتقي بأساتذة قادمين من المملكة لإلقاء بعض أوراق العمل في مؤتمرات جمعية الجغرافيين الأمريكيين فحضرت أوراقاً للأستاذ الدكتور يحيى أبو الخير وأ.د. عبدالعزيز بن عبداللطيف آل الشيخ، وجلست جلسات مطولة مع أ.د. محمد الجراش والدكتور أحمد الشامخ. وكنت أنظر لهؤلاء الأعلام نظرة إعجاب وافتخار فهاهو أ.د. يحيى أبو الخير يقدم ورقته عن زحف الرمال على واحات الأحساء في جمع غفير ويناقش موضوعه باقتدار، ويرد على أسئلة الحضور بثقة مفرطة وهو يلاعب مسبحته. ما أحلى هذا المشهد..هل سنكون مثله يوماً ما؟..سألت صاحبي في المؤتمر المعيد عامر المطير .. فرد بقوله: الله العالم..صحيح الله العالم..ثم ذهبنا لحضور المؤتمر الجغرافي الإسلامي الثاني في أمز بآيوا وكان عامر معيداً في جامعة الملك سعود ولم نكن قد أعددنا شيئاً وإنما حضرنا للفائدة، ولكن عنّ له بالليل أن يلقي محاضرة، فقلت له: هل أنت مستعد لذلك؟ قال: نعم، ثم أراني خمس شرائح كان يحملها في صرَّة فقلت له: ما هذا فقال: هي عن الجبيل، ثم طلب جهاز عرض شرائح من أمانة المؤتمر، وجلس في تلك الليلة في الموتيل الذي سكنت أنا وإياه فيه يردد علي بالإنجليزي "هذه هي الجبيل وهذا هو الخليج العربي وهذه هي المصانع"، ولم أر من ذلك فائدة فحاولت ثنيه عن تقديم ذلك خوفاً عليه من الإحراج الذي سيقع فيه، ولكنه أصرّ على التقديم. ولأنه لم يكن مدرجاً في الجدول فقد وضعوه في آخر القائمة. وفي ذلك الصباح وبعد أن انتهى الجميع من إلقاء محاضراتهم المعدة إعداداً متقناً أعطي عامر الفرصة لتقديم محاضرة "الشرائح الخمس" فبدأ بالحديث، وعندما هم بتقديم الشريحة الثالثة قالوا له انتهى الوقت، وهو وقت نهاية المؤتمر بالكامل فحمدت الله على أن أنقذه ذلك. وبدأت بالنهوض، ولكن صوتاً جهورياً علا عندما قام أحد الهنود من الحضور وأخذ يكيل التهم لرئيس الجلسة الذي حرم هذا الأخ المحاضر من إكمال هذه المحاضرة القيمة، وهو العالم الذي ركب الصعاب لإلقائها فكيف تحرمون الحضور من الفائدة. كل هذا وعامر ينظر إلي ويبتسم .. فما كان من رئيس الجلسة إلا أن أحرج وأشار إلى عامر وقال: هذا هو المحاضر ونحن آسفون لنفاد الوقت ولكن عزاءنا أنه موجود وتستطيعون الالتقاء به الآن أو في فترة الغداء ثم انتهت الجلسة. وعندما هممت بالذهاب إليه لاصطحابه فوجئت بهجوم كبير من الحضور رجالاً ونساء نحوه، كل يريد أن يستفسر عن موضوعه وما أراد أن يتحدث عنه، وكان عامر يجيب فرحاً ولا يترك أحداً إلا تحدث معه فاضطررت إلى البقاء نحو ربع ساعة حتى أحظى بكلمة من سعادته ..فتعلمت درساً مهماً وهو ألا تستقل ما عندك.

ومرت السنون وتخرجت ووصلت إلى الرياض في الليلة نفسها التي وصل فيها الزميل أ.د. إبراهيم الأحيدب، ثم بدأنا مشوار العمل.

كان رئيس القسم في ذلك الوقت أ.د. محمد الرويثي رحمه الله الذي فرح بقدومنا، ولكنه أسند لنا تدريس مواد في غير تخصصنا لأن المواد تلك في أيدي أساتذتنا المتعاقدين..ولا يريدهم أن يأخذوا بخاطرهم..كما ذكر لنا رحمه الله. ووجدتني أبحث في مكتبات الرياض عن كتب في جغرافية العالم الإسلامي والجغرافيا الزراعية فوجدت كتباً قديمة. ومنذ ذلك الوقت أحسست بضرورة تأليف كتب منهجية حديثة، وقد فوجئت بتعطش طلاب الدراسات العليا لمعرفة الرسائل وعناوينها في الولايات المتحدة فألفت على عجل كتاباً بهذا صدر بعد سنة من قدومي للمملكة .. ومرت السنون .. فهاهي الجمعية الجغرافية السعودية تعقد لقاءها السنوي, وهي فرصة للالتقاء بأساتذتنا من جامعات المملكة..كنت أجلس بصحبة الدكتور عبدالله الخلف، وكان يجلس بقربنا الدكتور محمد محمود محمدين و الدكتور طه الفرا وكان صوتهما مجلجلاً يعارضان استثمار أموال الجمعية في البنوك الربوية، وعلى المنصة كان الأستاذ الدكتور محمد شوقي مكي يقرأ التقرير .. وكنت لا أعرفه فسألت الدكتور عبدالله الحديثي عنه فعرفني به..هذا هو إذن..ولكن لماذا هذا الصمت المطبق قبل أن يطلب منه قراءة التقرير؟ جالت في نفسي هذه الخواطر بحيث إنني أشفقت عليه أن يجلس في المنصة..ومرت السنون فإذا الأستاذ الدكتور محمد شوقي مكي يصبح من أعلام الجغرافية في المملكة..والمحرك الرئيس لكل أعمال الجمعية .. وعملت معه في مجلس الإدارة موسمين فوجدت أنه ينفق وقته كله في خدمة الجغرافيا والجغرافيين .. شخص لا يكل ولا يمل .. ويتحمل الإساءات بطيب خاطر .. لم أر شخصاً مخلصاً متفانياً في عمله مثله .. وفي ذلك الاجتماع التقينا بالأستاذ الدكتور أسعد عبده الذي طبقت شهرته الآفاق كأول جغرافي سعودي يحصل على الدكتوراه, والأستاذ الدكتور ناصر الصالح كأول جغرافي سعودي يحصل على الأستاذية في الجغرافيا.. ورغم بساطتهما والمودة التي يظهرانها عندما تصل إليهما.. فقد كانت لهما مهابة تمنع من الاندماج السريع معهما، كما قابلت الدكتور معراج نواب مرزا الصديق الحميم الذي لم يبخل علي بما لديه من مواد علمية ونصائح مثمرة وما زال.

وبدأ قسم الجغرافيا لدينا يكبر بوصول الزملاء المبتعثين من الولايات المتحدة وبريطانيا إضافة لمن حصل على الدكتوراه من داخل المملكة، وأحسست برغبة عارمة لدى الزملاء في إثبات الوجود عبر المؤلفات والمشاركات العلمية. وخلال تلك السنين أنجز القسم الموسوعة الجغرافية للعالم الإسلامي وكتاب منطقة الرياض عبر عمل جماعي منظم.. ورغم هذه الأعمال فقد كنا وما زلنا نصارع من أجل البقاء.

وقد أتاح لي الحصول على الأستاذية بوقت مبكر بداية رحلة مثمرة من مراحل حياتي وهي مرحلة التأليف، فقد قابلت الأستاذ الدكتور عبدالله بن يوسف الغنيم مرات عديدة وزرت معه الشيخ حمد الجاسر رحمه الله الذي كان يحث الجميع على البحث والكتابة ووقعت هذه النصيحة عندي موقع القبول .. فأخرجت عدة مؤلفات معروفة .. وصرت أشجع زملائي الباقين على فعل ذلك.

وخلال هذه المراحل كنت ألتقي زملاء وتلامذة وأتعجب من سلوك البشر فهاهو أحد الزملاء الذي ما إن أهديته كتاباً جديداً لي حتى تهلل وجهه فرحاً وانفرجت أساريره وكأنه هو الذي كتبه وافترقنا وأنا أسمع دعواته لي بالتوفيق وطلب المزيد .. وزميل آخر ما إن أهديته ذلك الكتاب حتى تمعَّر لون وجهه وخشيت عليه من الزلل.. فغادرت المكان مسرعاً .. وخلال هذه الحياة تلتقي بزملاء فتفاجأ بأن أحدهم يكن لك الودّ والاحترام من دون سبب ظاهر ولا صحبة ومن شدة إعجابه بك واحترامه لك تودّ لو عرفت السبب الذي دفعه إلى ذلك لتكثر منه .. وبعد ذلك تلتقي بآخر وتعرف أنه ينفر منك وفي كل مجلس ينال منك بدون سبب ظاهر أو صحبة طويلة أو معرفة قريبة.. وتود لو عرفت سبب هذا النفور لتجنبته .. ولكن هذه هي الحياة .. حلوها ومرها.

وتمر السنون..نعم ما أقصر الحياة..وما أعظم آمال الإنسان..لقد أحضرت معي أوراقاً صورتها أثناء دراستي، ثم وضعتها في ملفات خاصة وأسميتها "أوراق خاصة  "Special Collection. وهي إلى اليوم في ملفاتها إذ لم أجد الوقت لفتحها ودراسة ما فيها..الله أكبر ما أكبر الآمال والأحلام، وما أقصر الأعمار..أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يعفو عنا ويهدينا سبيل الرشاد.

ملحوظة: حذفت أسماء كثيرة ومراحل كثيرة ومواقف طريفة بسبب ضيق المساحة.