قاعدة الأبحاث العلمية
الخصوبة والتنمية المستدامة : دراسة تطبيقية على مصر من منظور عالمي
اسم الباحث : عاطف حافظ سلامة
مكان النشر : جامعة المنوفية - مصر
المجلة العلمية : مجلة مركز البحوث الجغرافية والكارتوجرافية - قسم الجغرافيا - كلية الآداب
السنة : العدد رقم 25 لسنة 2018
الموضوع : منحنيات الخصوبة والتنمية المستدامة

الخصوبة والتنمية المستدامة دراسة تطبيقية على مصر من منظور عالمي " التنمية المستدامة هي التنمية التى تلبي حاجات الحاضر دون المساومة على قدرة الأجيال المقبلة في تلبية حاجاتهم" (اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، 1989، ص 83). تتمثل الحاجات بصفة عامة في الغذاء والملبس والعمل والطاقة والماء والتعليم والصحة فضلا عن تحسين نوعية الحياة. تزداد شدة العوز لهذه الحاجات لدى الفقراء، كما يتمنى الأغنياء تحسين نوعية الحياة. ورغم عدم كفاية الحاجات في الوقت الحاضر بدليل انتشار الفقر والمرض والبطالة والعشوائيات والتدهور البيئي، فإن تلبية هذه الحاجات مرهون بتناغم المستوى التكنولوجي والتنظيم الاجتماعي والنظم البيئية والإمكانية الإنتاجية وأعداد السكان وأنماط الاستهلاك والنمو السكاني وأخيرا العلاقات الدولية، وغيرهم من المتغيرات المختلفة في إطار سياسي واحد. ومن ثم تحقيق التنمية المستدامة لا يتم ما لم تتطور هذه المتغيرات لإنتاج ما يكفي حاجات الحاضر دون المساومة على قدرة الأجيال المقبلة في تلبية حاجاتهم. " يترابط النمو السكاني مع التنمية بطرائق معقدة. فالتطور الاقتصادي يولد الموارد التى يمكن استخدامها لتحسين التعليم والصحة. وتؤدي هذه التحسينات سوية مع التغيرات الاجتماعية إلى انقاص معدلات الإنجاب والوفيات على حد سواء. ومن الجانب الأخر يمكن للمعدلات العالية في نمو السكان، والتى تستنزف الفوائض المتاحة للنمو الاقتصادي والاجتماعي، أن تعرقل التحسينات في التعليم والصحة" (اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، 1989، ص-ص 150-151). لقد نجحت أغلب دول العالم في خفض معدلات الوفيات بصورة كبيرة، لكن لا تزال معدلات المواليد مرتفعة مما أدى إلى تسارع النمو السكاني، ومن ثم أصبح النمو السكاني بصفة عامة والخصوبة بصفة خاصة معضلة من معضلات التنمية المستدامة. لقد جذبت خصوبة السكان انتباه الديموغرافيين والاجتماعيين وأخيرا الجغرافيين منذ فترة طويلة ليس فقط لأنها عامل جوهري يؤثر في الديناميكية الديموغرافية لأي مجتمع، بل لأنها أيضا تتنوع بشكل كبير من مكان إلى أخر على سطح الأرض، وتعبر عن مستوى تطور المجتمع، فهي مؤشر قوى للتنمية الاقتصادية. لقد اختلفت الآراء بين بعض المشرعين وبعض الجماهير في أحد برنامج الحوار التليفزيونية حول مقترح وقف دعم الدولة - والحديث هنا عن مصر - للطفل الثالث من أجل التنمية المستدامة، فهناك من يرى أن الطفل الثالث حق لكل مواطن مع الحصول على دعم الدولة فالمشكلة ليست في عدد المواليد، وهناك من يرى ضرورة رفع الدعم عن الطفل الثالث لكي يجبر الزوج والزوجة على الاكتفاء بطفلين فقط تحت مظلة دعم الدولة فالمشكلة تكمن في العدد الضخم للمواليد الذي يتطلب الكثير من الأموال لتوفير التعليم والصحة وغيرهما من الوسائل الضرورية للحياة. يعود هذا التصادم إلى عدم الوعي الكامل بموضوع الخصوبة، فهل تكمن مشكلة الخصوبة في ارتفاع عدد المواليد ؟ أم ترجع إلى ارتفاع مستوى الخصوبة ؟ أو تأتي من خلال مسلك الخصوبة أو سلوكها خلال فترة قدرة المرأة على الإنجاب ؟ من الأرجح أن فشل كثيرا من السياسات السكانية المختلفة في إدارة النمو السكاني يعود إلى عدم الفهم والتحديد الجيد للخصوبة. " ترتبط استدامة التنمية بشكل وثيق بالقوى المحركة للنمو السكاني " (اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، 1989، ص 99)، لهذا تساعد الإجابة على الأسئلة السابقة في تحديد مكمن المشكلة المرتبطة بالخصوبة وبالتالي في كيفية إدارة الخصوبة بأي دولة من دول العالم، ومن ثم علاج معضلة أساسية من معضلات التنمية المستدامة. على الرغم من أن مستوى الخصوبة ليس هدفًا من أهداف التنمية المستدامة الـ 17 ولا غاية من غايتها الـ 169 التى حددتها الأمم المتحدة وأقرها البنك الدولي من خلال أطلس أهداف التنمية المستدامة 2018، فإن أهمية هذا البحث تكمن في كيفية إدارة الخصوبة بأية دولة لكى تتناغم معدلات المواليد مع معدلات التنمية وتتحقق التنمية المستدامة المرجوة. يمكن أن يكون المنحنى العمري للخصوبة مفسرًا لمستواها، فالمستوى العالي للخصوبة يمكن أن يكون نتيجة لسلوك الخصوبة خلال مرحلة العمر من 15 إلى 49 سنة للإناث، وبالتالي إذا أرادت دولة ما أن تعدل من مستوى الخصوبة بها، لكان عليها أن تغير سلوك الخصوبة للإناث خلال مرحلة العمر من 15 إلى 49 سنة. مما لا شك فيه أن التحقيق من صحة الفرضية الملحقة به تستدعي تحديد مستوى الخصوبة أولا، ثم رسم منحنيات الخصوبة العمرية ثانيا، بعد ذلك تصنيف المنحنيات والبحث عن علاقة بين كل نمط من أنماط منحنيات الخصوبة العمرية ومستويات الخصوبة المختلفة. لكي نتمكن من إدارة الخصوبة في أي مجتمع أو دولة من دول العالم لابد وأن نحدد مستواها أولا ثم مسلكها ثانيا. تحديد مستوى الخصوبة لا يعتمد على مؤشر معدل المواليد الخام لأنه ينسب إجمالي عدد المواليد إلى إجمالي عدد السكان، علماً بأن المرأة هي المصدر الرئيسي للخصوبة والموضع الحقيقي لها؛ لهذا يعد معدل الخصوبة العام أفضل منه لأنه لا ينسب إجمالي المواليد إلى النساء فقط، بل يخص النساء في مرحلة العمر (15-49) سنة أي القادرات على الإنجاب فقط. ويعطى أيضا معدل الخصوبة الكلية مؤشر لمتوسط ما يمكن أن تنجبه المرأة طوال فترة قدرتها على الإنجاب. ومن ثم يعد معدل الخصوبة العام ومعدل الخصوبة الكلية مؤشران لقياس مستوى الخصوبة بأي مجتمع. أما مسلك الخصوبة الذي يتبعه أي مجتمع فيمكن الكشف عنه من خلال منحنى الخصوبة العمرية النوعية، حيث تم الكشف عن سبعة نماذج لمسالك الخصوبة بالدول المختلفة. ومن خلال تكامل المعطيات أي تحديد مستوى الخصوبة والكشف عن مسلكها أمكن التوصل إلى عشرين مسلك ثانوي بالعالم تفرز خمسة مستويات متدرجة للخصوبة من الضعيفة إلى الضخمة. ومن هنا يمكن للحكومات والمجتمعات المختلفة التدخل في حركة الخصوبة خلال رحلتها من عمر 15 إلى عمر 49 عاماً. وفي محاولة بحثية لإدارة الخصوبة المصرية أثبتت الدراسة أن مكمن مشكلة الخصوبة لكى تتحقق التنمية المستدامة يأتي من النساء في سن 20 إلى 24 سنة أولا ثم المراهقات في سن من 15 إلى 19 عاماً. ومن ثم اقترح البحث وضع القوانين تلزم فيها المرأة بالخدمة العامة لفترة تتناسب مع المؤهل الذي حصلت عليه، وتحديد المسافة الزمنية بين كل مولود وأخر في حدود خمس سنوات، كما تلزم نفسها بتوفير فرص عمل مستديمة للمرأة، فضلا عن التعليم الجامعي أو المستمر.